الشيخ محمد النهاوندي
515
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
قوله ، وصرفت بصري حتى دخل الفراش ، فلمّا دخلت معه الفراش إذا بيني وبينه ثوب ، واللّه ما أدخلته فراشي ، فإذا هو في غاية اللين وطيب الرائحة ، كأنّه غمس في المسك فجهدت لأنظر إلى جسده ، فما كنت أرى شيئا ، وكثيرا ما كنت افتقده من فراشي ، فإذا قمت لطلبه ناداني : « [ ها ] أنا يا عمّ » فأرجع ، ولقد كنت كثيرا ما أسمع منه كلاما يعجبني ، وذلك عند مضيّ بعض الليل ، وكنّا لا نسمّي على الطعام والشراب ، ولا نحمد بعده ، وكان يقول في أوّل الطعام : بسم اللّه الأحد ، فإذا فرغ من طعامه قال : الحمد للّه ، فتعجّبت منه ، ثمّ لم أر منه كذبة ولا ضحكا ولا جاهلية ، ولا وقف مع صبيان يلعبون « 1 » . سئل الصادق عليه السّلام : لم أوتم النبي صلّى اللّه عليه وآله عن أبويه ؟ فقال : « لأن لا يكون لمخلوق عليه حقّ » « 2 » . أقول : يعني الحقّ العظيم الذي يكون تالي حقّ اللّه . وقيل : إنّ المراد باليتيم الفريد في الفضل والعزّ عديم النظير في قريش ، أو في البشر ، فآواك وجعل لك من تأوى إليه وهو أبو طالب . وفي ( الكشاف ) : ومن بدائع التفسير أنّه من قوله : درّة يتيمة ، والمعنى ألم يجدك واحدا في قريش عديم النظير ، أي في العزّ والشرف ، فآواك في دار أعدائك ، فكنت بين القوم معصوما محروسا « 3 » . وعن العياشي عن الرضا عليه السّلام : « يَتِيماً فردا لا مثل لك في المخلوقين فَآوى الناس إليك » « 4 » . وفي ( العيون ) عنه ما يقرب منه « 5 » . وَوَجَدَكَ ورأك ضَالًّا عن معالم النبوة وأحكام الشريعة ، غافلا عنها فَهَدى إليها ، كما عن ابن عباس « 6 » . وقيل : يعني ضالا عن النبوة ، يعني ما كنت تطمعها فهداك اللّه إليها « 7 » . وقيل : يعني وجدك خاليا عن العلم والمعارف في بدو خلقتك ، فهداك بأن أعطاك العقل الكامل والمعرفة الكاملة « 8 » . وقيل : يعني وجدك راغبا إلى فعال الجاهلية فهداك وحال بينك وبينها « 9 » . روي عن علي عليه السّلام أنّه قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « ما هممت بشيء ممّا كان أهل الجاهلية يعملون به غير
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 31 : 214 . ( 2 ) . مجمع البيان 10 : 765 ، تفسير الصافي 5 : 342 . ( 3 ) . الكشاف 4 : 767 « نحوه » ، تفسير روح البيان 10 : 457 . ( 4 ) . مجمع البيان 10 : 767 ، تفسير الصافي 5 : 341 . ( 5 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1 : 199 / 1 ، تفسير الصافي 5 : 341 . ( 6 ) . تفسير الرازي 31 : 215 و 216 . ( 7 و 8 ) . تفسير الرازي 31 : 215 و 216 . ( 9 ) . تفسير الرازي 31 : 217 .